تقارير
تغطية صحفية وتقارير مفصلة عن تطورات الأحداث
جرحى غزة خارج القطاع.. رحلة العلاج بين معابر مغلقة وقوائم انتظار طويلة (أكتوبر 2023 – يونيو 2026)
غزة الذاكرة الحية- منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحوّل ملف الإجلاء الطبي للجرحى والمرضى إلى أحد أكثر الملفات الإنسانية إلحاحاً وتعقيداً. فمع انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الصحية، وتضرر معظم المستشفيات، لم يعد العلاج داخل القطاع متاحاً لآلاف المصابين بإصابات بالغة، ما دفع نحو اعتماد الإجلاء الطبي الخارجي كخيار وحيد لإنقاذ حياة كثيرين. لكن الطريق إلى العلاج خارج غزة لم يكن سهلاً، فبين المعابر المغلقة، والقيود اللوجستية، ونقص الأماكن المتاحة في المستشفيات الخارجية، وجد عشرات آلاف المرضى أنفسهم في طوابير انتظار طويلة بينما تتدهور أوضاعهم الصحية يوماً بعد يوم. تشير بيانات منظمة الصحة العالمية حتى فبراير/شباط 2026 إلى أنه تم إجلاء ما لا يقل عن 11,124 مريضاً وجريحاً من قطاع غزة منذ بداية الحرب، رافقهم أكثر من 13,000 مرافق، وكان من بين المرضى الذين غادروا القطاع نحو 5,835 طفلاً. وتُظهر البيانات أن الجزء الأكبر من عمليات الإجلاء تم خلال الأشهر الأولى للحرب، وقبل إغلاق معبر رفح في مايو/أيار 2024، حيث غادر أكثر من 7,500 مريض القطاع خلال تلك الفترة. لكن وتيرة الإجلاء تراجعت بشكل حاد بعد ذلك، لتتحول من مئات الحالات أسبوعياً إلى أعداد محدودة للغاية. وبحسب منظمة الصحة العالمية، لا يزال أكثر من 18,500 مريض وجريح بحاجة ماسة إلى علاج غير متوفر داخل غزة، بينهم آلاف المصابين بإصابات حرب معقدة وأمراض مزمنة وأورام سرطانية. من هم الجرحى الذين احتاجوا للعلاج خارج غزة؟ تضم قوائم الإجلاء الطبي فئات متعددة من المصابين، أبرزها: * مبتورو الأطراف الذين يحتاجون إلى جراحات ترميمية وأطراف صناعية متقدمة. * المصابون بإصابات شديدة في العمود الفقري والحبل الشوكي. * حالات إصابات الدماغ والجمجمة المعقدة. * المصابون بحروق واسعة النطاق. * الأطفال الذين يحتاجون إلى عمليات ترميم وجراحة تخصصية. * مرضى السرطان الذين توقفت برامج علاجهم. * مرضى القلب والفشل الكلوي والأمراض المزمنة الأخرى. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن آلاف الجرحى يعانون من إصابات "مغيّرة للحياة"، أي إصابات سترافقهم لسنوات طويلة وتتطلب علاجاً وتأهيلاً متخصصاً لا يتوافر حالياً داخل القطاع. إلى أين نُقل الجرحى؟ استقبلت عدة دول المرضى القادمين من غزة، أبرزها: * مصر * الأردن * الإمارات العربية المتحدة * قطر * تركيا * إسبانيا * إيطاليا * ألمانيا * فرنسا * النرويج * بلجيكا * رومانيا * دول أوروبية أخرى شاركت في برامج الإجلاء الطبي. ووفق منظمة الصحة العالمية، استقبلت 17 دولة أوروبية مرضى قادمين من غزة لتلقي الرعاية الطبية المتخصصة، فيما تجاوز عدد من نُقلوا إلى أوروبا وحدها ألف مريض حتى أواخر عام 2025. أطفال غزة في مقدمة قوائم الإجلاء شكّل الأطفال النسبة الأكبر من كثير من عمليات الإجلاء الطبي، نظراً لحساسية الإصابات التي تعرضوا لها وحاجتهم إلى تدخلات جراحية معقدة. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن آلاف الأطفال كانوا ضمن قوائم الانتظار للعلاج خارج القطاع، فيما جرى إجلاء أعداد كبيرة منهم إلى مستشفيات متخصصة في أوروبا والدول العربية. وفيات أثناء الانتظار أحد أكثر جوانب الملف مأساوية يتمثل في المرضى الذين لم يتمكنوا من مغادرة القطاع في الوقت المناسب. وتشير تقارير دولية إلى وفاة مئات المرضى والجرحى أثناء انتظار الإجلاء الطبي أو الحصول على الموافقات اللازمة للسفر، بينهم أطفال ومرضى سرطان وحالات حرجة كانت تحتاج إلى تدخل عاجل. - لماذا بقي آلاف الجرحى داخل غزة؟ رغم عمليات الإجلاء، فإن العدد الذي غادر القطاع يمثل جزءاً فقط من الاحتياجات الفعلية. وتعود الأسباب الرئيسية إلى: * محدودية عمل المعابر. * الطاقة الاستيعابية المحدودة للمستشفيات المستقبلة. * التعقيدات الإدارية واللوجستية. * تدهور الأوضاع الأمنية. * النقص في وسائل النقل الطبي المتخصصة. وثّقت منظمات دولية حالات لأطفال فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بحروق وتشوهات شديدة نُقلوا للعلاج في الخارج بعد أشهر من الانتظار. كما شملت عمليات الإجلاء مصابين بإصابات دماغية معقدة، وحالات شلل ناتجة عن إصابات الحبل الشوكي، وأشخاصاً احتاجوا إلى عشرات العمليات الجراحية الترميمية. بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لا يزال ملف الإجلاء الطبي مفتوحاً على نطاق واسع. فبينما غادر أكثر من 11 ألف مريض وجريح القطاع للعلاج الخارجي، ما يزال أكثر من 18,500 شخص بحاجة إلى رعاية متخصصة غير متوفرة داخل غزة. وتشير التقديرات الطبية إلى أن معالجة تراكم هذه الحالات قد تستغرق سنوات، حتى في حال توسعت عمليات الإجلاء بشكل كبير. وبذلك لم يعد العلاج خارج غزة مجرد إجراء طبي، بل أصبح شريان حياة لعشرات آلاف الجرحى والمرضى الذين يواجهون واحدة من أكبر أزمات الرعاية الصحية والإحالة الطبية في التاريخ الحديث للقطاع..
جرحى غزة.. حرب مستمرة وإصابات تبقى لعقود: آلاف حالات البتر والإعاقات وسط انهيار المنظومة الصحية
غزة الذاكرة الحية- تشير أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المصابين في غزة منذ أكتوبر 2023 تجاوز 172 ألف جريح، فيما تعرّض نحو 43 ألف شخص لإصابات وصفت بأنها "مغيرة للحياة" وتحتاج إلى رعاية وتأهيل طويل الأمد، من بينهم نحو 10 آلاف طفل. ورغم تنفيذ عمليات إجلاء طبي محدودة إلى الخارج، فإن الغالبية الساحقة من الجرحى تلقوا العلاج داخل قطاع غزة، في مستشفيات ومراكز طبية كانت تعاني أصلاً من نقص حاد في الأسرة والأدوية والمستلزمات الجراحية والكوادر المتخصصة. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 18,500 مريض وجريح كانوا بانتظار الإجلاء الطبي حتى عام 2026، ما يعني أن عشرات الآلاف اضطروا لتلقي العلاج محلياً رغم محدودية الإمكانات. من حيث طبيعة الإصابات، تظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن إصابات الأطراف شكّلت الفئة الأكبر بين الجرحى، حيث سُجل أكثر من 22 ألف مصاب بإصابات خطيرة في الذراعين أو الساقين، كثير منها نتج عنه تهتك شديد في العظام والأنسجة والأعصاب. كما سُجل أكثر من 5 آلاف حالة بتر أطراف مرتبطة مباشرة بإصابات الحرب، إضافة إلى أكثر من 3400 إصابة حروق شديدة، وأكثر من ألفي إصابة في الحبل الشوكي، وأكثر من 1300 إصابة دماغية رضحية خطيرة. وتُعد إصابات البتر من أكثر الملفات تعقيداً. فوفق بيانات منظمة الصحة العالمية، جرى تقييم أكثر من 2270 مبتوراً بين عامي 2024 و2026، بينما تمكن نحو 500 فقط من الحصول على أطراف صناعية دائمة بسبب النقص الحاد في المعدات والمواد اللازمة. كما أن 76% من حالات البتر المسجلة كانت في الأطراف السفلية، وقرابة ثلثها كانت حالات بتر فوق الركبة، وهي من أكثر الحالات تعقيداً من ناحية التأهيل وإعادة الحركة. أما إصابات الحبل الشوكي، والتي تجاوزت ألفي حالة، فقد خلّفت آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية وتأهيل متخصص لسنوات طويلة. وتشير تقارير صحية إلى أن جزءاً من هؤلاء يعاني من إعاقات حركية دائمة أو جزئية تتطلب كراسٍ متحركة وأجهزة مساعدة وخدمات تأهيل متواصلة، في وقت تعاني فيه مراكز التأهيل في غزة من نقص شديد في التجهيزات. وفي ملف الحروق، تم تسجيل أكثر من 3400 إصابة حروق خطيرة، كثير منها بين الأطفال والنساء. وتحتاج هذه الحالات إلى عمليات جراحية متكررة وترقيع جلدي وعلاج طويل الأمد، وهو ما شكل ضغطاً إضافياً على المستشفيات التي كانت تعمل في ظروف استثنائية. كما وثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 13 ألف مريض سجلوا للحصول على خدمات إعادة بناء الأطراف والجراحات الترميمية خلال الفترة بين منتصف 2025 ومنتصف 2026، وتبين أن نحو نصف الحالات التي جرى تقييمها تحتاج إلى عمليات جراحية إضافية لإعادة ترميم العظام أو الأنسجة المتضررة. على مستوى الخدمات الصحية، لم يكن التحدي مقتصراً على أعداد الجرحى، بل شمل أيضاً انهيار جزء كبير من المنظومة الصحية نفسها. فبحلول عام 2025 كانت أقل من 14 مستشفى من أصل 36 مستشفى تعمل بشكل جزئي فقط، بينما تراجع عدد مراكز التأهيل العاملة إلى أقل من ثلث مستواها قبل الحرب. كما تجاوزت قوائم الانتظار في بعض أقسام التأهيل مئات المرضى، ما اضطر العديد من المستشفيات إلى إخراج المرضى قبل اكتمال علاجهم لإفساح المجال لحالات جديدة. وفي جانب الأطفال، تشير البيانات الدولية إلى أن نحو ربع الإصابات المغيّرة للحياة كانت بين الأطفال، أي ما يقارب 10 آلاف طفل أصيبوا بإعاقات أو إصابات خطيرة سترافق كثيراً منهم لسنوات طويلة. كما أظهرت بيانات طبية من مستشفيات ميدانية دعمتها منظمة أطباء بلا حدود أن الأطفال شكلوا نسبة كبيرة من حالات الإصابات التي احتاجت إلى متابعة طويلة الأمد. ولا تقتصر معاناة الجرحى على الإصابات الجسدية فقط، إذ تشير منظمات صحية وإنسانية إلى أن عشرات الآلاف يعانون من آثار نفسية شديدة مرتبطة بفقدان الأطراف أو أفراد الأسرة أو التعرض لإصابات بالغة، ما يجعل الحاجة إلى التأهيل النفسي والاجتماعي جزءاً أساسياً من عملية العلاج والتعافي. وبعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لم يعد ملف الجرحى في غزة مجرد أزمة طبية طارئة، بل تحول إلى واحدة من أكبر أزمات التأهيل والإعاقة طويلة الأمد في العالم. فبين أكثر من 172 ألف مصاب، و43 ألف إصابة مغيرة للحياة، وآلاف حالات البتر وإصابات الحبل الشوكي والحروق والإصابات الدماغية، يواجه النظام الصحي في غزة تحدياً يمتد لسنوات طويلة، حتى بعد توقف العمليات العسكرية، بسبب الحاجة إلى العلاج والجراحات الترميمية والأطراف الصناعية والتأهيل المستمر لعشرات الآلاف من المصابين..
إعادة إعمار غزة وجهود الحكومة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى.. إدارة الطوارئ وتثبيت مسار التعافي وسط دمار واسع (2024 – 2026)
غزة الذاكرة الحية- منذ بداية الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحوّل العمل الميداني المرتبط بإعادة الإعمار من مشاريع بنية تحتية تقليدية إلى تدخلات طارئة واسعة النطاق تهدف إلى إعادة فتح شرايين الحياة الأساسية في قطاع شبه مدمر، حيث تركز الجهد خلال المرحلة الأولى على أربعة مسارات رئيسية: الطرق، الإيواء، المساكن، والمواقع الحيوية ذات الطابع الخدمي والتاريخي. وبحسب بيانات تراكمية صادرة عن جهات حكومية فلسطينية وتقارير أممية وميدانية حتى 2026، فإن حجم التدخلات لا يزال جزئياً ومحدوداً مقارنة بحجم الدمار، لكنه يشير إلى بداية إعادة تشكيل الواقع الخدمي داخل القطاع. أولاً: فتح الطرق وإعادة الحركة الداخلية تشير التقديرات الفنية إلى أن قطاع غزة يمتلك شبكة طرق تُقدَّر بأكثر من 2,500 كيلومتر من الشوارع بين رئيسية وفرعية، تعرض جزء كبير منها لدمار مباشر أو انسداد بالركام. ضمن جهود إعادة الإعمار الطارئة: * تم فتح وإعادة تأهيل جزئي لمئات الكيلومترات من الطرق الحيوية داخل المدن الرئيسية * إعادة فتح محاور رئيسية تربط بين مراكز الإيواء والمستشفيات ومراكز الخدمات * إزالة الركام من عدد من الشوارع الرئيسية في مدينة غزة وخان يونس ومناطق وسط القطاع وتشير تقديرات ميدانية إلى أن نسبة الطرق التي تم التدخل فيها بشكل مباشر (فتح جزئي أو إزالة عوائق) ما تزال أقل من 20% من إجمالي شبكة الطرق، بينما لا تزال النسبة الأكبر بحاجة إلى إعادة تأهيل شامل أو إعادة بناء كاملة. ثانياً: ملف الإيواء والخيام مع انهيار قطاع الإسكان، تحوّل ملف الإيواء إلى أولوية إنسانية عاجلة، حيث تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن مئات آلاف الأسر نزحت داخلياً خلال الحرب. في إطار الاستجابة: * تم إدخال وتوزيع عشرات الآلاف من الخيام ووحدات الإيواء المؤقتة عبر قنوات إنسانية متعددة * إقامة مئات مراكز الإيواء الجماعية في المدارس والمرافق العامة والمخيمات المؤقتة * توسع مناطق التجمعات المؤقتة في وسط وجنوب القطاع بشكل خاص وتشير تقديرات أممية إلى أن عدد المستفيدين من حلول الإيواء المؤقت (خيام أو مراكز جماعية) تجاوز مئات الآلاف من الأفراد، مع استمرار فجوة كبيرة بين الحاجة الفعلية والقدرة على التغطية، إذ ما تزال نسبة كبيرة من الأسر دون حلول إيواء مستقرة أو كافية. ثالثاً: ترميم وإعادة تأهيل المساكن في قطاع الإسكان، وهو الأكثر تضرراً، تشير التقديرات إلى: * أكثر من 300 ألف وحدة سكنية تعرضت للدمار الكلي أو الجزئي * عشرات آلاف المنازل أصبحت غير صالحة للسكن ضمن جهود التدخل: * تم تنفيذ أعمال ترميم جزئية لآلاف الوحدات السكنية بشكل محدود جداً، تركزت على إصلاحات طارئة (إغلاق فتحات، إصلاح جزئي للجدران، تأهيل مؤقت) * إعادة استخدام بعض المباني المتضررة بشكل جزئي كمراكز إيواء مؤقتة * تدخلات مجتمعية ومحلية فردية لإعادة تأهيل مساكن قابلة للترميم في بعض المناطق الأقل تضرراً لكن حتى منتصف 2026، تبقى نسبة إعادة البناء الكامل للمساكن منخفضة جداً مقارنة بحجم الدمار، إذ تتركز الجهود على الترميم الطارئ وليس إعادة الإعمار الشامل. رابعاً: المواقع الحيوية والتاريخية والخدمية إلى جانب البنية السكنية، تعرضت مواقع ذات طابع خدمي وتاريخي وأثري لأضرار متفاوتة، من بينها: * مبانٍ تاريخية في البلدة القديمة ومناطق وسط مدينة غزة * مرافق ثقافية ومراكز مجتمعية * مبانٍ حكومية وخدمية قديمة ذات طابع تراثي وبحسب تقديرات أولية من مؤسسات محلية وأممية: * تم تسجيل أضرار في عشرات المواقع ذات الطابع الثقافي والتاريخي بدرجات متفاوتة (جزئي وكلي) * بدأت تدخلات محدودة لحماية ما تبقى من بعض المواقع عبر تدعيمات إنشائية طارئة * لم تبدأ بعد عمليات ترميم شاملة للتراث المعماري بسبب استمرار الأوضاع الميدانية ونقص التمويل خامساً: صورة رقمية إجمالية للتدخلات حتى 2026، يمكن تلخيص حجم التدخلات الميدانية الأولية في غزة ضمن الإطار التالي: * مئات الكيلومترات من الطرق تم فتحها جزئياً أو إزالة عوائق منها * عشرات الآلاف من الخيام ووحدات الإيواء تم توزيعها عبر القنوات الإنسانية * آلاف الوحدات السكنية خضعت لترميم طارئ محدود * عشرات المواقع الخدمية والتاريخية تعرضت لأضرار وتدخلات حماية أولية لكن في المقابل، تشير التقديرات إلى أن: * أكثر من 80% من البنية التحتية ما تزال بحاجة لإعادة بناء أو تأهيل شامل * فجوة الإيواء لا تزال كبيرة جداً مقارنة بعدد النازحين * ملف الإسكان ما يزال في مرحلة “التثبيت الطارئ” وليس الإعمار الفعلي تظهر الأرقام حتى الآن أن ما جرى في غزة ليس إعادة إعمار بالمعنى التقليدي، بل إدارة أزمة ممتدة تحاول إعادة فتح الحد الأدنى من الحياة اليومية في بيئة مدمرة على نطاق واسع. وبين فتح الطرق جزئياً، وتوزيع الخيام، وترميم محدود للمساكن، يبقى المشهد العام أقرب إلى “إعادة تشغيل أولية للحياة” بانتظار مرحلة الإعمار الشامل التي ما تزال مرتبطة بالتمويل الدولي والقرار السياسي واستقرار الأوضاع الميدانية..
إعادة إعمار غزة.. بين تعهدات التمويل الدولي ومعادلة الحوكمة المعقدة وتعدد مراكز القرار (2023 – 2026)
غزة الذاكرة الحية- منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحوّل ملف إعادة إعمار قطاع غزة من عنوان إنساني مرتبط بإعادة بناء ما دمرته الحرب، إلى ملف اقتصادي سياسي دولي واسع، تتداخل فيه حسابات التمويل مع ترتيبات الحوكمة، وتتوزع فيه الأدوار بين الأمم المتحدة، البنك الدولي، الاتحاد الأوروبي، والدول العربية، إلى جانب الأطراف الفلسطينية الرسمية، وفي مقدمتها السلطة الفلسطينية في رام الله، ومناقشات متقدمة حول آلية إدارة انتقالية محتملة داخل القطاع. هذا التحول لم يكن شكلياً، بل ارتبط بحجم الدمار غير المسبوق الذي وثقته تقارير دولية متعددة. فوفق التقييم المشترك الصادر عن الأمم المتحدة، البنك الدولي، والاتحاد الأوروبي في عام 2026، فإن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة تُقدّر بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، منها ما يقارب 26.3 مليار دولار مطلوبة بشكل عاجل خلال أول 18 شهراً لإعادة تشغيل الحد الأدنى من الخدمات الحيوية والبنية التحتية الأساسية. وتشير التقديرات إلى أن حجم الأضرار المباشرة في البنية المادية بلغ نحو 35.2 مليار دولار، إضافة إلى خسائر اقتصادية واجتماعية تُقدّر بنحو 22.7 مليار دولار نتيجة توقف الإنتاج وتعطل الدورة الاقتصادية بالكامل. هذه الأرقام، وفق الأمم المتحدة، لا تعكس فقط حجم الدمار، بل تكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة المقبلة، التي لم تعد فيها إعادة الإعمار مشروعاً إنشائياً، بل عملية إعادة تأسيس شاملة لنظام حياة واقتصاد ومؤسسات. في التفاصيل الميدانية، تشير تقارير أممية إلى أن مئات الآلاف من الوحدات السكنية في قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات والمدارس ومرافق الخدمات العامة عن الخدمة. كما تضررت شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء بشكل واسع، إلى درجة باتت فيها أجزاء كبيرة من القطاع بحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية من الصفر، وليس مجرد إعادة تأهيل. ومع هذا المستوى من الانهيار، تبرز أولى مراحل الإعمار في ما تصفه المؤسسات الدولية بمرحلة “إزالة الركام”، وهي عملية تُقدَّر بأنها من أكثر المراحل تعقيداً من الناحية اللوجستية والهندسية، نظراً لكمية الأنقاض التي يُعتقد أنها تتجاوز عشرات ملايين الأطنان، والحاجة إلى معدات ثقيلة، وممرات آمنة، ومواقع معالجة للنفايات الإنشائية، وهي عناصر غير متوفرة بشكل كامل حتى الآن. في موازاة ذلك، بدأ يتشكل الإطار الدولي للتمويل، حيث تقود الأمم المتحدة، بالتعاون مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، عملية تقييم الاحتياجات وإعداد برامج التمويل ضمن ما يُعرف بتقارير تقييم الأضرار والاحتياجات. هذه التقارير أصبحت المرجعية الأساسية لتحديد أولويات الإعمار وتوزيع الموارد، وهي التي استندت إليها تقديرات الـ 71.4 مليار دولار. البنك الدولي، ضمن هذا السياق، طرح تصوراً لإنشاء صندوق تمويل متعدد المانحين لإعادة إعمار غزة، يعمل كمنصة مالية مركزية لتجميع المساهمات الدولية وتوجيهها نحو مشاريع محددة، تشمل البنية التحتية، الإسكان، دعم القطاع الخاص، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية. هذا النموذج يهدف إلى تقليل التشتت في التمويل، وربط الإنفاق بآليات رقابة دولية صارمة. على المستوى العربي، ظهرت مبادرات متوازية لإعادة الإعمار، تقودها بشكل أساسي مصر، إلى جانب دول خليجية، ضمن رؤية تمتد لعدة سنوات وتستهدف إعادة بناء القطاع على مراحل. وتُقدَّر بعض التصورات العربية لحجم التمويل المطلوب بأكثر من 50 مليار دولار، موزعة على مشاريع تشمل إزالة الركام، إعادة تأهيل المناطق السكنية، إصلاح البنية التحتية، ودعم القطاعات الاقتصادية الأساسية. لكن هذه المبادرات، رغم إعلانها السياسي والمالي، ما تزال مرتبطة بعدة شروط عملية، في مقدمتها وجود إطار إداري واضح لإدارة قطاع غزة خلال مرحلة الإعمار، وضمان آليات شفافة لتوزيع التمويل وتنفيذ المشاريع، وهو ما يجعل جزءاً كبيراً من هذه التعهدات في مرحلة الانتظار السياسي والتنظيمي. في خلفية هذا المشهد، يبرز ملف الحوكمة باعتباره العقدة الأكثر تعقيداً في عملية الإعمار. فإدارة ملف بهذا الحجم لا تتعلق فقط بالتمويل، بل بمن يملك القرار التنفيذي على الأرض، وكيف يتم توزيع المشاريع، ومن يراقب التنفيذ. حاليًا، تتداخل عدة مستويات في إدارة هذا الملف: السلطة الفلسطينية إلى جانب وكالات الأمم المتحدة التي تدير قطاعات إنسانية وخدمية، والبنك الدولي الذي يتولى الجوانب المالية والفنية، إضافة إلى تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة. أما على مستوى التمويل الفعلي، فهناك فجوة واضحة بين التعهدات المالية وبين ما تم تحويله فعلياً إلى مشاريع على الأرض. فجزء كبير من الالتزامات الدولية والعربية ما يزال في إطار الإعلانات السياسية، بينما ترتبط عمليات الصرف الفعلي بشروط تتعلق بالاستقرار الأمني، وبنية الإدارة، وآليات الرقابة. في هذا السياق، يصبح التمويل ليس مجرد رقم، بل عملية سياسية وإدارية معقدة، تخضع لتوازنات دولية وإقليمية، وتُدار عبر قنوات متعددة، ما يبطئ من وتيرة التنفيذ في المراحل الأولى من الإعمار. اقتصادياً، لا يمكن فصل إعادة إعمار غزة عن إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية نفسها. فالسوق المحلي الذي انهار بفعل الحرب يحتاج إلى إعادة تأسيس كامل، يشمل إعادة إطلاق القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات. لكن هذا المسار يعتمد بدوره على توفر المواد الخام، وفتح سلاسل الإمداد، واستقرار حركة النقل والتجارة، وهي عوامل ما تزال مرتبطة بالوضع السياسي والأمني العام. وتشير التقديرات الأممية إلى أن قطاعي الإسكان والبنية التحتية يشكلان النسبة الأكبر من كلفة الإعمار، يليهما قطاع الخدمات الأساسية، ما يعكس طبيعة الأولويات في المرحلة الأولى، حيث يتركز الجهد على إعادة الحد الأدنى من الحياة اليومية قبل الانتقال إلى مشاريع التنمية طويلة الأمد. في المحصلة، يبدو أن إعادة إعمار غزة بعد 2023 ليست مشروعاً تقنياً أو إنشائياً، بل عملية إعادة هندسة شاملة لمنظومة الحياة في القطاع، تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد مع السياسة مع الإدارة الدولية. وبين ضخامة الأرقام وتعقيد الحوكمة وتعدد الأطراف، يبقى التحدي الحقيقي ليس فقط في توفير التمويل، بل في القدرة على تحويل هذا التمويل إلى عملية تنفيذ فعلية على الأرض ضمن بيئة ما تزال غير مستقرة، وتخضع لمعادلات سياسية وإدارية مفتوحة على أكثر من سيناريو..
قطاع إعادة إعمار غزة.. بين ركام البنية التحتية وتعقيدات التمويل والحوكمة وتداخل المسارات السياسية (2023 – 2026)
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل قطاع غزة مرحلة تدمير غير مسبوقة في تاريخه الحديث، لم يقتصر أثرها على البنية السكنية أو الخدماتية فقط، بل امتد ليطال الأسس التي يقوم عليها أي اقتصاد قابل للحياة. ومع اتساع رقعة الدمار، لم يعد الحديث عن “إعادة إعمار” بالمعنى التقليدي، بل عن إعادة تأسيس شبه كاملة لمدينة منكوبة على مستوى البنية التحتية والاقتصاد والخدمات والحوكمة في آن واحد. وفق التقييم المشترك الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في 2026، فإن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة تُقدّر بنحو 71.4 مليار دولار خلال السنوات القادمة، منها ما يقارب 26.3 مليار دولار مطلوبة بشكل عاجل في المرحلة الأولى لإعادة تشغيل الحد الأدنى من الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية. وتُظهر هذه الأرقام أن حجم الدمار تجاوز القدرة التقليدية لأي عملية إعادة إعمار سابقة في المنطقة، سواء من حيث الكلفة أو الزمن أو التعقيد المؤسسي. في المشهد الميداني، تبدو غزة بعد الحرب وكأنها فقدت بنيتها الحضرية الأساسية. آلاف المباني السكنية دُمّرت كلياً أو جزئياً، فيما تضررت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي بشكل واسع، إلى درجة باتت فيها أجزاء كبيرة من القطاع خارج الخدمة الفعلية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مئات الآلاف من الوحدات السكنية تعرضت للتدمير أو الضرر، في حين خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات والمدارس عن الخدمة، إما نتيجة الدمار المباشر أو بسبب توقف الإمدادات التشغيلية الأساسية. هذا المستوى من الانهيار يعني أن عملية الإعمار لا تبدأ من إعادة البناء فقط، بل من مرحلة “إزالة الدمار” التي تشكل بحد ذاتها تحدياً هندسياً ولوجستياً هائلاً. فالكميات الهائلة من الركام، التي تُقدّر بعشرات ملايين الأطنان، تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل، وإلى بنية تشغيلية غير متوفرة حالياً، تشمل معدات ثقيلة، طرق آمنة للنقل، ومواقع معالجة للنفايات الإنشائية. في موازاة ذلك، يبرز تحدي التمويل بوصفه أحد أكثر العوائق تعقيداً. فحتى مع وجود تقديرات دولية كبيرة للاحتياجات، إلا أن آلية تحويل هذه التقديرات إلى تمويل فعلي تبقى مرتبطة بعوامل سياسية وإدارية واشتراطات دولية. التجارب السابقة في مناطق نزاع مشابهة تشير إلى أن التمويل لا يصل بشكل متكامل أو فوري، بل عبر مراحل مجزأة ترتبط بالاستقرار السياسي، وآليات الرقابة، وضمانات الشفافية، وهو ما يجعل فجوة التمويل في السنوات الأولى من الإعمار فجوة هيكلية وليست مؤقتة. إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية الحوكمة كأحد أكثر الملفات حساسية في عملية الإعمار. فإدارة ملف بهذا الحجم تتطلب إطاراً تنفيذياً واضحاً، بينما الواقع يشير إلى تداخل عدة أطراف في المشهد: مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله، وكالات الأمم المتحدة، الجهات المانحة الدولية، إضافة إلى الواقع الإداري القائم داخل قطاع غزة. هذا التعدد في مراكز القرار لا يخلق فقط تعقيداً إدارياً، بل ينعكس أيضاً على سرعة التنفيذ، وتوزيع المشاريع، وآليات الرقابة المالية والفنية. ومع غياب إطار موحد لإدارة الإعمار في مراحله الأولى، تصبح عملية التنسيق بين هذه الأطراف عاملاً حاسماً، لكنه في الوقت نفسه مصدر تأخير محتمل، خاصة في المشاريع الكبرى التي تتطلب قرارات مركزية واستقراراً مؤسسياً طويل الأمد. أما على مستوى البنية التحتية، فإن التحدي يتجاوز إعادة بناء المباني إلى إعادة تشغيل منظومات كاملة انهارت بشكل شبه كامل. فشبكات الكهرباء، التي كانت تعتمد أساساً على إمدادات خارجية ومولدات محدودة، تعرضت لانقطاع واسع، فيما تضررت محطات المياه والصرف الصحي إلى درجة تجعل إعادة تشغيلها مرتبطة بإعادة بناء البنية التحتية نفسها وليس فقط صيانتها. كما أن شبكة الطرق، التي تمثل شريان الحركة الاقتصادية والإنسانية، تعرضت لأضرار واسعة أثرت على إمكانية التنقل ونقل المواد والمساعدات. في السياق الاقتصادي، لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية نفسها. فالسوق المحلي في غزة فقد قدرته الإنتاجية والاستهلاكية في آن واحد، ما يعني أن إعادة البناء تحتاج بالتوازي إلى إعادة إطلاق القطاعات الإنتاجية الأساسية، مثل الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات. لكن هذا المسار بدوره يعتمد على توفر المواد الخام، واستقرار سلاسل الإمداد، وإمكانية الحركة التجارية، وهي عوامل ما تزال مرتبطة بالوضع السياسي والأمني العام. وتشير التقديرات الدولية إلى أن قطاعي الإسكان والبنية التحتية يشكلان النسبة الأكبر من تكلفة الإعمار، يليهما قطاع الخدمات الأساسية، وهو ما يعكس طبيعة الأولويات في المرحلة الأولى، حيث يتركز الجهد على إعادة تأهيل الحد الأدنى من شروط الحياة اليومية قبل الانتقال إلى مشاريع التنمية طويلة الأمد. في خلفية هذا المشهد، يظهر التحدي الزمني كعامل لا يقل أهمية عن التمويل. فحتى في حال توفر الموارد المالية، فإن عملية إعادة إعمار بهذا الحجم تحتاج إلى سنوات طويلة من التنفيذ المتدرج، تبدأ بإزالة الركام، ثم إعادة تأهيل البنية الأساسية، ثم إعادة بناء الوحدات السكنية، وأخيراً إعادة تشغيل الاقتصاد بشكل تدريجي. وبين هذه المراحل، يبقى العامل الأكثر حساسية هو الاستقرار السياسي والإداري، إذ إن أي خلل في هذا المستوى ينعكس مباشرة على وتيرة الإعمار، ويعيد تأخير المشاريع إلى نقطة البداية. في المحصلة، لا يبدو أن إعادة إعمار غزة بعد 2023 تمثل مشروعاً إنشائياً بالمعنى التقليدي، بل تمثل عملية إعادة بناء شاملة لمنظومة حياة كاملة، تتقاطع فيها الهندسة مع الاقتصاد مع السياسة مع الحوكمة. وهو ما يجعل هذا الملف واحداً من أكثر ملفات إعادة الإعمار تعقيداً في العصر الحديث، ليس فقط بسبب حجم الدمار، بل بسبب طبيعة البيئة التي يتم فيها هذا الإعمار، وتعقيد الأطراف المتداخلة فيه، وطول الأفق الزمني المطلوب لإنجازه..
قطاع الأعمال الفلسطيني تحت الضغط.. غزة 2023 وإعادة تشكيل بيئة رأس المال بين الانهيار وإعادة التموضع (2000 – 2026)
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد الاقتصاد الفلسطيني، في قطاع غزة أو في امتداداته بالضفة الغربية والقدس، يعمل ضمن مسار طبيعي يمكن قياسه بمؤشرات النمو أو الانكماش التقليدية. ما حدث بعد هذا التاريخ لم يكن مجرد صدمة اقتصادية مرتبطة بالحرب، بل تحول بنيوي في طبيعة البيئة التي يتحرك فيها رأس المال الفلسطيني، سواء على مستوى الشركات أو المستثمرين أو المشاريع الكبرى. غزة، التي كانت قبل الحرب تمثل اقتصاداً محدوداً لكنه متماسك نسبياً في قطاعاته الأساسية، دخلت في حالة انهيار إنتاجي شامل. ومع توقف الدورة الاقتصادية الداخلية، لم تتعطل فقط المصانع والأسواق، بل تعطلت معها الروابط غير المرئية التي تربط الاقتصاد الفلسطيني ببعضه البعض، من سلاسل توريد، وتحويلات مالية، وحركة تجارة، وعلاقات تشغيل بين غزة والضفة والخارج. قبل 2023، كان القطاع الخاص الفلسطيني يتحرك داخل بيئة مقيدة لكنها قابلة للإدارة: قيود على الحركة، محدودية في المعابر، صعوبات في التصدير، وتفاوت في الوصول إلى الأسواق. إلا أن هذه البيئة، رغم صعوبتها، كانت تسمح بوجود نماذج استثمارية طويلة الأمد في العقار والخدمات والبنية التحتية، ومحاولات لبناء اقتصاد محلي قائم على مبادرات خاصة في ظل غياب دولة اقتصادية مكتملة. لكن الحرب على غزة أعادت تعريف هذه المعادلة بالكامل. فمع توقف النشاط الاقتصادي في القطاع، لم يخسر الاقتصاد الفلسطيني سوقاً جغرافية فقط، بل خسر جزءاً وظيفياً من بنيته الداخلية، خصوصاً في ما يتعلق بالاستهلاك، والإنتاج، والدورة النقدية التي كانت تغذي قطاعات في الضفة الغربية أيضاً. هذا الانقطاع انعكس بشكل مباشر على بيئة الاستثمار في الضفة الغربية والقدس، حيث بدأت الشركات تواجه ليس فقط تراجعاً في الطلب، بل أيضاً ارتفاعاً في المخاطر التشغيلية، وتقلصاً في القدرة على التخطيط طويل الأمد. ومع الوقت، أصبحت القرارات الاستثمارية أكثر ارتباطاً بعوامل سياسية وأمنية ومالية خارج نطاق السوق نفسه. ضمن هذا السياق، برزت مشاريع استثمارية كبرى قادها رجال أعمال فلسطينيون حاولوا خلال العقدين الأخيرين الدفع باتجاه نماذج تنموية مختلفة، من بينهم بشار المصري، الذي ارتبط اسمه بمشاريع تطوير حضري واسعة، أبرزها مدينة روابي، إلى جانب استثمارات في قطاعات متعددة داخل الضفة الغربية، ومحاولات سابقة لخلق نماذج اقتصادية مرتبطة بقطاع غزة. هذه المشاريع، رغم طابعها الاقتصادي، كانت تعمل دائماً داخل بيئة غير مستقرة، حيث لا يمكن فصل الاستثمار عن الجغرافيا السياسية، ولا فصل النمو الاقتصادي عن القيود المفروضة على الحركة والبنية التحتية والوصول إلى الموارد. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المشاريع جزءاً من محاولة أوسع لإنتاج نموذج اقتصادي فلسطيني قائم على المبادرة الخاصة في ظل نظام اقتصادي غير مكتمل السيادة. بعد 2023، ومع الانهيار الواسع في غزة، دخلت هذه المعادلة مرحلة أكثر تعقيداً. فغياب غزة عن الدورة الاقتصادية الفعلية لم يؤد فقط إلى خسارة سوق استهلاكية وإنتاجية، بل أدى إلى إعادة تشكيل المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الفلسطيني ككل، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بالتمويل، والتوسع، والاستقرار القانوني للمشاريع. في هذا الإطار، ظهرت تطورات قانونية في البيئة الدولية مرتبطة بالحرب على غزة، من بينها دعوى مدنية رُفعت أمام محكمة فدرالية في الولايات المتحدة في عامي 2025 و2026، تقدم بها مئات المدعين من عائلات ضحايا أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استناداً إلى تشريعات أمريكية تتعلق بمكافحة الإرهاب. الدعوى شملت أطرافاً وشبكات اقتصادية يُزعم ارتباطها ببيئات تشغيلية في قطاع غزة، ومن بينها اسم رجل الأعمال بشار المصري، في سياق ادعاءات تتعلق بدور بعض البنى التحتية أو المشاريع الاقتصادية في البيئة العامة التي جرت فيها الأحداث. وفي المقابل، ينفي المصري والشركات المرتبطة به هذه الادعاءات، مؤكداً أن جميع الاستثمارات ذات طبيعة تنموية بحتة، وتهدف إلى خلق فرص عمل وتعزيز الاقتصاد المحلي، دون أي صلة بأي نشاط عسكري أو أمني. وقد دفع فريق الدفاع في هذا الملف باتجاه رفض الدعوى، باعتبارها قائمة على استنتاجات غير مباشرة، وأن تحميل المشاريع التنموية في بيئة نزاع مسلح مسؤوليات مرتبطة بأحداث سياسية أو عسكرية يمثل توسعاً غير مسبوق في مفهوم المسؤولية القانونية. ما يميز هذا النوع من القضايا ليس فقط مضمونها القانوني، بل السياق الذي تظهر فيه، حيث باتت البيئة الاقتصادية الفلسطينية جزءاً من مجال قانوني دولي أكثر تشدداً، تتداخل فيه اعتبارات الامتثال المالي، والمخاطر الجيوسياسية، وتفسير العلاقة بين الاستثمار والبيئة السياسية. وبالتوازي مع ذلك، يتعامل القطاع الخاص الفلسطيني مع شبكة أوسع من القيود البنيوية، تشمل محدودية الوصول إلى الأسواق، وتعطل سلاسل التوريد، والاعتماد الكبير على بيئة سياسية غير مستقرة، ما يجعل أي توسع اقتصادي مشروطاً بعوامل خارجية لا تخضع لاعتبارات السوق فقط. ومع استمرار الحرب على غزة منذ 2023، لم يعد الحديث يدور حول أزمة اقتصادية محلية، بل حول إعادة تشكيل كاملة لوظيفة الاقتصاد الفلسطيني، حيث تراجعت القدرة الإنتاجية، وتقلصت الأسواق، وتعمقت الفجوة بين الإمكانيات الاقتصادية والواقع الفعلي. في المحصلة، يبدو القطاع الخاص الفلسطيني اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً عن العقدين الماضيين. لم يعد التحدي في النمو داخل قيود، بل في إعادة تعريف معنى الاقتصاد نفسه داخل بيئة تتغير فيها قواعد التشغيل والاستثمار بشكل جذري، وتصبح فيها المخاطر السياسية والقانونية جزءاً أساسياً من كل قرار اقتصادي..
قطاع الزراعة في غزة.. من سلة غذاء محاصرة إلى أرض مجرفة: قصة انهيار القطاع الزراعي منذ 7 أكتوبر 2023
غزة الذاكرة الحية- حين اندلعت الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن الأراضي الزراعية في القطاع مجرد مساحات خضراء تنتج الغذاء، بل كانت تمثل أحد آخر خطوط الصمود الاقتصادي والاجتماعي في منطقة تعيش حصاراً مستمراً منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وعلى امتداد سنوات طويلة، شكّلت الزراعة مصدراً رئيسياً للغذاء والدخل لعشرات آلاف العائلات الفلسطينية، وساهمت بما يقارب 10% من اقتصاد غزة، فيما اعتمد أكثر من 560 ألف شخص بشكل كلي أو جزئي على الزراعة والرعي والصيد لكسب رزقهم. إلا أن ما جرى خلال الحرب حوّل هذا القطاع من مصدر للحياة إلى أحد أكثر القطاعات تضرراً ودماراً في تاريخ غزة الحديث. قبل الحرب، بلغت المساحات الزراعية في قطاع غزة نحو 15 ألف هكتار، أي ما يزيد على 150 مليون متر مربع من الأراضي المزروعة بالمحاصيل الحقلية والخضروات والأشجار المثمرة والبيوت البلاستيكية. وكانت محافظات شمال غزة ورفح وخان يونس تشكل القلب الزراعي للقطاع، حيث تنتشر بساتين الزيتون والحمضيات واللوزيات وحقول الخضروات والفراولة، إضافة إلى آلاف الدونمات المزروعة بالقمح والشعير والمحاصيل الموسمية. لكن هذه المناطق نفسها تحولت خلال الحرب إلى ساحات عمليات عسكرية واسعة، تعرضت خلالها الأراضي للتجريف والقصف والحرق والتدمير المباشر. في الأشهر الأولى للحرب بدأت صور الأقمار الصناعية تكشف حجم الكارثة. ففي فبراير/شباط 2024 كانت نحو 42.6% من الأراضي الزراعية قد تعرضت لأضرار مباشرة. وبعد ثلاثة أشهر فقط ارتفعت النسبة إلى 57.3%. وبحلول سبتمبر/أيلول 2024 وصلت الأراضي الزراعية المتضررة إلى 67.6% من إجمالي الأراضي المزروعة في القطاع، أي أكثر من 10 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية التي تعرضت للتجريف أو التدمير أو الضرر الشديد. كما أظهرت التحليلات الفضائية أن 71.2% من الأشجار والبساتين تعرضت للتلف، و67.1% من المحاصيل الحقلية تضررت، إضافة إلى تدمير 58.5% من مساحات الخضروات. ومع استمرار الحرب خلال عام 2025، تفاقمت الخسائر بشكل غير مسبوق. ووفقاً لأحدث تقييم مشترك أجرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، فإن أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت لأضرار مباشرة بحلول أبريل/نيسان 2025، بما يعادل 12,537 هكتاراً من أصل 15,053 هكتاراً من الأراضي الزراعية. كما أصبح 77.8% من الأراضي الزراعية غير قابل للوصول بسبب العمليات العسكرية أو المناطق العازلة أو مخاطر القصف، ولم يبق متاحاً للزراعة سوى 688 هكتاراً فقط، أي 4.6% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. لكن الكارثة لم تتوقف عند هذا الحد. ففي يوليو/تموز 2025، أظهرت تقييمات أممية جديدة أن نسبة الأراضي الزراعية المتضررة ارتفعت إلى أكثر من 86%، فيما أصبحت 98.5% من الأراضي الزراعية إما متضررة أو غير قابلة للوصول أو الاثنتين معاً. وبمعنى آخر، لم يتبقَّ صالحاً للزراعة سوى 232 هكتاراً فقط من أصل أكثر من 15 ألف هكتار كانت تُزرع قبل الحرب، أي ما يعادل 1.5% فقط من الأراضي الزراعية في قطاع غزة. إحدى أكثر صور الدمار وضوحاً تمثلت في عمليات التجريف الواسعة. فالمشاهد الفضائية التي وثقتها المؤسسات الدولية أظهرت إزالة آلاف الدونمات من الأشجار والبساتين وتسوية مساحات زراعية كاملة بالأرض، خاصة في شمال القطاع وشرق غزة وشرق خان يونس ورفح. وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن ما يزيد على 178 ألف دونم من الأراضي الزراعية تعرضت لأضرار أو تجريف أو تدمير بدرجات متفاوتة، وهو ما يمثل أكثر من 80% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. كما تراجعت المساحات المزروعة بالخضروات من نحو 93 ألف دونم قبل الحرب إلى نحو 4 آلاف دونم فقط في بعض مراحل الحرب، ما يعكس انهياراً شبه كامل للإنتاج الزراعي المحلي. ولم تكن الأراضي وحدها الضحية. فقد تعرضت البنية التحتية الزراعية لدمار هائل. وتشير بيانات الفاو إلى أن 71.2% من البيوت البلاستيكية الزراعية تعرضت للتدمير أو الضرر الشديد بحلول ربيع 2025، لترتفع النسبة لاحقاً إلى نحو 80% خلال خريف العام نفسه. وفي بعض المناطق، خاصة محافظة غزة وشمال غزة، اختفت البيوت البلاستيكية تقريباً من المشهد الزراعي بالكامل. أما آبار المياه الزراعية، التي تشكل شريان الحياة للقطاع الزراعي في غزة، فقد تعرضت هي الأخرى لدمار واسع. وبحلول أبريل 2025 كانت 82.8% من الآبار الزراعية قد تضررت أو دمرت بشكل كامل، مقارنة بنحو 67.7% في نهاية عام 2024. هذا التدمير حرم آلاف المزارعين من القدرة على ري أراضيهم حتى في المناطق التي لم تتعرض للتجريف المباشر. كما أصابت الخسائر قطاع الثروة الحيوانية بصورة كارثية. فقد أدى القصف ونقص الأعلاف والمياه والأدوية البيطرية إلى نفوق أعداد هائلة من الحيوانات. وتحدثت تقارير دولية عن انهيار شبه كامل لقطاع الدواجن، بينما تعرضت مزارع الأبقار والأغنام والماعز لخسائر جسيمة. وتقدر جهات فلسطينية أن مئات مزارع الأبقار والأغنام والدواجن خرجت من الخدمة أو دمرت خلال الحرب. ومع حلول عام 2026، لم تعد الأزمة زراعية فقط، بل تحولت إلى أزمة أمن غذائي شاملة. فالأراضي التي كانت تنتج الخضروات والفواكه والحبوب أصبحت في معظمها أراضي مدمرة أو غير قابلة للوصول. والبنية الزراعية التي تراكم بناؤها خلال عقود تعرضت لتدمير واسع. وتشير تقارير حديثة إلى أن أقل من 5% من الأراضي الزراعية كانت متاحة للزراعة في بعض فترات عام 2025، بينما أظهرت تقييمات لاحقة أن الأراضي السليمة والمتاحة فعلياً للإنتاج لم تتجاوز 1.5% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. إن خسائر الزراعة في غزة لا تُقاس فقط بعدد الدونمات المجرفة أو الأشجار المقتلعة أو البيوت البلاستيكية المدمرة، بل بحجم القدرة الغذائية التي فقدها المجتمع الفلسطيني. فكل دونم دُمّر كان ينتج غذاءً، وكل بئر تعطلت كانت تروي حقولاً، وكل شجرة اقتُلعت كانت تمثل استثماراً تراكم عبر سنوات طويلة. واليوم، وبعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، يقف القطاع الزراعي في غزة أمام واحدة من أكبر الكوارث الزراعية التي شهدها الشرق الأوسط في العصر الحديث، فيما تحتاج عملية إعادة تأهيل الأراضي والآبار والبنية الزراعية إلى سنوات طويلة ومليارات الدولارات حتى تستعيد جزءاً من قدرتها السابقة على الإنتاج..
قطاع الصناعة في غزة.. كيف تحولت المصانع من محركات للاقتصاد إلى شواهد على الانهيار (2023 – 2026)
غزة الذاكرة الحية: في صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان القطاع الصناعي في غزة يعمل تحت ظروف صعبة فرضها حصار ممتد منذ سنوات، لكنه رغم ذلك حافظ على حد أدنى من النشاط والإنتاج. مئات المصانع وآلاف الورش كانت تنتج الغذاء والأثاث والملابس والبلاستيك والمنتجات المعدنية ومواد البناء، وتشكل أحد أهم مصادر الدخل والتشغيل في القطاع. قبل الحرب، كان قطاع غزة يضم ما يزيد على 4 آلاف منشأة صناعية متفاوتة الحجم، إضافة إلى آلاف الورش الصغيرة والحرفية. وكانت الصناعة تساهم بما يقارب 10 إلى 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للقطاع، بينما وفرت بشكل مباشر وغير مباشر عشرات آلاف فرص العمل. وبرغم القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير، نجحت بعض المصانع في الوصول إلى أسواق الضفة الغربية والخارج، فيما كانت الصناعات الغذائية والإنشائية والنسيجية تشكل ركائز أساسية للاقتصاد المحلي. لكن الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 لم تستهدف فقط البنية السكنية والخدماتية، بل أصابت قلب الاقتصاد الإنتاجي. وخلال الأيام الأولى، بدأت المصانع تتوقف الواحدة تلو الأخرى. لم يكن السبب القصف المباشر وحده، بل أيضاً انقطاع الكهرباء بالكامل تقريباً، ونفاد الوقود، وتعطل شبكات النقل، وإغلاق المعابر، وانقطاع المواد الخام التي تعتمد عليها خطوط الإنتاج. في الأسابيع الأولى، وجدت مئات المصانع نفسها عاجزة عن الاستمرار. خطوط الإنتاج توقفت، المولدات تعطلت بسبب نقص الوقود، والمخازن امتلأت ببضائع لا يمكن تسويقها أو نقلها. وفي الوقت نفسه، بدأت خسائر القطاع الخاص تتراكم بسرعة كبيرة. وتشير تقديرات أولية إلى أن الخسائر التي تكبدها القطاع الخاص خلال الشهرين الأولين فقط تجاوزت 1.5 مليار دولار، كان نصيب الصناعة منها كبيراً بسبب ارتفاع قيمة الأصول الصناعية من آلات ومعدات ومخازن ومنشآت. ومع انتقال الحرب إلى مراحل أكثر اتساعاً خلال عام 2024، دخل القطاع الصناعي مرحلة جديدة من الانهيار. لم يعد الحديث عن توقف الإنتاج فحسب، بل عن تدمير فعلي للبنية الصناعية. عشرات المصانع تعرضت للقصف المباشر أو لأضرار جسيمة، فيما تحولت مناطق صناعية كاملة إلى مناطق منكوبة. الصور الجوية التي وثقت الدمار أظهرت اختفاء مبانٍ صناعية كانت تمثل مراكز إنتاج رئيسية في غزة وخان يونس ورفح. وبحسب تقييمات دولية مشتركة صادرة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، فإن قطاعي التجارة والصناعة كانا من أكثر القطاعات الاقتصادية تعرضاً للأضرار المباشرة بعد قطاع الإسكان. وقدرت قيمة الأضرار المادية في مختلف القطاعات بنحو 30 مليار دولار حتى مطلع عام 2025، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن توقف الإنتاج والنشاط الاقتصادي نحو 19 مليار دولار إضافية. داخل المصانع نفسها، كانت الخسائر أكثر تعقيداً من مجرد تدمير المباني. خطوط إنتاج كاملة توقفت أو دُمرت. آلات استوردت على مدار سنوات خرجت من الخدمة. مخازن للمواد الخام والمنتجات الجاهزة تعرضت للحرق أو الدمار. كما فقدت آلاف الشركات الصناعية قواعد بياناتها وأصولها التشغيلية ومركباتها وشبكات توزيعها. في قطاع الصناعات الغذائية، الذي يعد من أهم القطاعات الإنتاجية في غزة، تعرضت عشرات المصانع للتدمير أو التوقف. مصانع الألبان والعصائر والمعلبات والمخبوزات واجهت صعوبات هائلة في الحصول على المواد الخام والطاقة. وأدى ذلك إلى تراجع حاد في الإنتاج الغذائي المحلي، ما زاد من اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية. أما قطاع صناعة الأثاث والأخشاب، الذي كان يعد من القطاعات المعروفة في غزة، فقد تعرض لضربة قاسية نتيجة تدمير الورش والمصانع وصعوبة إدخال المواد الخام. كذلك الحال بالنسبة لصناعة الملابس والنسيج التي كانت تشغل آلاف العمال قبل الحرب، إذ توقفت غالبية المصانع عن العمل بشكل كامل. ولم تكن الصناعات البلاستيكية والكيماوية أفضل حالاً. فهذه الصناعات تعتمد بصورة كبيرة على المواد الخام المستوردة، ومع توقف دخولها أصبحت خطوط الإنتاج معطلة حتى في المنشآت التي لم تتعرض للقصف المباشر. كما تضررت مصانع مواد البناء والخرسانة والرخام بشكل كبير، سواء نتيجة التدمير أو نتيجة غياب المواد اللازمة للتشغيل. ومع حلول نهاية عام 2024، بدأت المؤسسات الدولية تتحدث عن انهيار اقتصادي هو الأشد في التاريخ الحديث للقطاع. فقد انكمش اقتصاد غزة بنسبة تجاوزت 80 بالمئة، وهي من أعلى نسب الانكماش المسجلة عالمياً خلال العقود الأخيرة. كما أشارت تقديرات اقتصادية إلى أن الإنتاج الصناعي تراجع بأكثر من 90 بالمئة مقارنة بمستوياته قبل الحرب، ما يعني أن معظم الطاقة الإنتاجية للقطاع خرجت فعلياً من الخدمة. على مستوى العمالة، انعكست الأزمة الصناعية بصورة مباشرة على سوق العمل. عشرات آلاف العمال فقدوا وظائفهم مع توقف المصانع والورش. وأصبحت البطالة ظاهرة عامة تمس معظم الأسر تقريباً. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدلات البطالة في غزة تجاوزت 75 بالمئة، فيما اختفت فرص العمل المرتبطة بالقطاع الصناعي بشكل شبه كامل. ومع استمرار الحرب خلال عامي 2025 و2026، لم يعد التحدي مقتصراً على إعادة تشغيل المصانع المتضررة، بل أصبح يتعلق بإعادة بناء قاعدة إنتاجية كاملة. فالكثير من المنشآت لم تعد موجودة أصلاً، فيما تحتاج منشآت أخرى إلى إعادة تأهيل شاملة تشمل المباني والآلات وشبكات الكهرباء والمياه والطرق. وتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن أكثر من 90 بالمئة من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر بدرجات متفاوتة. وتشمل هذه النسبة آلاف المنشآت الصناعية التي كانت تشكل العمود الفقري للإنتاج المحلي. كما تشير التقديرات إلى أن إعادة إعمار القطاع الاقتصادي والإنتاجي ستتطلب عشرات المليارات من الدولارات وسنوات طويلة من العمل، حتى في حال توقف الحرب بشكل كامل. اليوم، وبعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لم تعد خسائر الصناعة في غزة تُقاس بعدد المصانع المدمرة أو قيمة الآلات التي خرجت من الخدمة فقط، بل بحجم القدرة الإنتاجية التي فُقدت. فقد خسرت غزة جزءاً كبيراً من قدرتها على تصنيع الغذاء والدواء والملابس ومواد البناء والمنتجات الأساسية. وخسرت معها آلاف الخبرات المهنية والحرفية التي تراكمت على مدى عقود. لقد تحولت المصانع التي كانت يوماً ما رموزاً للصمود الاقتصادي إلى مبانٍ صامتة أو أكوام من الركام. وبينما تستمر الحرب، يبقى القطاع الصناعي واحداً من أكثر القطاعات تضرراً، وشاهداً على حجم التحول الاقتصادي العميق الذي أصاب غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وهو تحول لن يكون من السهل أو السريع تجاوزه حتى بعد انتهاء الحرب..
قطاع التجارة في غزة.. انهيار منظومة السوق تحت الحرب (2023 – 2026)
حين تُغلق الحرب أبواب السوق لم تكن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مجرد مواجهة عسكرية امتدت فوق جغرافيا قطاع غزة، بل شكلت لحظة فاصلة أعادت تشكيل الاقتصاد من جذوره، وعلى وجه الخصوص القطاع التجاري الذي يُعد العمود الفقري للحياة اليومية. في الأيام الأولى، بدأت مؤشرات الانهيار تظهر بشكل متسارع مع إغلاق المعابر وتوقف حركة الاستيراد وتراجع تدفق السلع الأساسية، إلى جانب اضطراب واسع في الأسواق المحلية. ومع مرور الوقت، لم يعد الحديث يدور عن ركود اقتصادي، بل عن تفكك تدريجي لمنظومة السوق بالكامل، حيث تلاشت القواعد التقليدية للتجارة وتحول الاقتصاد إلى حالة استثنائية تُدار بالندرة والضرورة. أولاً: الأيام الأولى… انهيار مفاجئ للسوق (أكتوبر – نوفمبر 2023) في الأسابيع الأولى للحرب تعرض القطاع التجاري في غزة لصدمة مركبة أصابت جميع مكوناته في وقت واحد. توقف شبه كامل لحركة الاستيراد مع إغلاق المعابر بشكل فعلي أو تقليص عملها إلى الحد الأدنى، توقفت حركة دخول السلع التجارية الأساسية بشكل شبه كامل. المواد الغذائية والوقود ومواد البناء والمستلزمات الطبية أصبحت تدخل بكميات محدودة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية. وتراجعت حركة الاستيراد التجاري بنسبة تقديرية تتراوح بين 85% إلى 95%. الأسواق تحت الصدمة مئات الأسواق الشعبية أغلقت أبوابها، وتوقفت آلاف المحال التجارية الصغيرة والمتوسطة عن العمل بسبب الدمار أو النزوح أو انقطاع الإمدادات. ومع ذلك ظهرت ملامح سوق جديد يعتمد على ما تبقى من مخزون أو ما يدخل بشكل متقطع. انهيار الطلب الداخلي فقدت آلاف الأسر مصادر دخلها خلال فترة قصيرة، وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات حادة قُدرت بانخفاض يتراوح بين 70% إلى 90%. ومع هذا الانهيار، تحول السوق إلى مساحة تركز فقط على السلع الأساسية للبقاء. ثانياً: 2024… اقتصاد الندرة وتفكك سلاسل الإمداد مع دخول الحرب عامها الثاني، انتقل الاقتصاد التجاري من حالة الصدمة إلى حالة الانهيار البنيوي المستمر. شلل الاستيراد المنظم توقف الاستيراد التجاري المنظم تقريباً، وأصبح السوق يعتمد على مساعدات إنسانية محدودة ومخزونات قديمة وكميات قليلة تدخل بشكل غير منتظم. هذا الوضع أدى إلى انهيار دور شركات الجملة والتوزيع التي كانت تشكل العمود الفقري للسوق. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من شركات التوزيع والجملة توقفت كلياً أو جزئياً عن العمل. ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق شهدت السلع الأساسية ارتفاعات حادة ومتكررة، وصلت في بعض الفترات إلى ما بين 300% و1200% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. كما اختفت بعض السلع بشكل كامل في فترات معينة، ما زاد من حالة الندرة. انهيار التخزين وسلاسل التوريد تعرضت المخازن للتدمير أو التعطيل، إضافة إلى فقدان القدرة على التخزين بسبب انقطاع الكهرباء والوقود. وتشير تقديرات ميدانية إلى خروج ما بين 50% إلى 65% من قدرات التخزين عن الخدمة. ثالثاً: تدمير البنية التجارية (2024 – 2025) مع استمرار العمليات العسكرية، لم يعد الانهيار اقتصادياً فقط بل تحول إلى تدمير مباشر للبنية التجارية. الأسواق المركزية تعرضت الأسواق الرئيسية في غزة وخان يونس ورفح لأضرار واسعة أو دمار كامل، ما أدى إلى فقدان مراكز التوزيع الأساسية. المحال التجارية في العديد من المناطق، تم تدمير أو إغلاق ما بين 70% إلى 80% من المحال التجارية. كما اختفت أحياء تجارية كاملة كانت تشكل مراكز نشاط اقتصادي رئيسية. النظام النقدي واجه السوق أزمة سيولة حادة مع توقف أو تعطل العمليات المصرفية بشكل كبير، ما أدى إلى الاعتماد شبه الكامل على النقد المحدود أو تبادل السلع في بعض الحالات. رابعاً: اقتصاد الحرب… السوق الموازي مع انهيار السوق الرسمي، ظهر اقتصاد بديل فرض نفسه على الواقع. صعود الوسطاء أصبح الوسطاء يتحكمون في حركة السلع وتوزيعها، ما أدى إلى تفاوت كبير في الأسعار بين منطقة وأخرى. الاحتكار والندرة تم تخزين بعض السلع الأساسية وإعادة بيعها بأسعار مرتفعة، في ظل غياب الرقابة الفعلية، ما حول بعض المواد إلى أدوات نفوذ أكثر من كونها سلعاً استهلاكية. تحول السوق لم يعد السوق خاضعاً لمنطق العرض والطلب فقط، بل لمنطق الوصول والسيطرة والقدرة على النقل والتخزين. خامساً: الخسائر الاقتصادية للقطاع التجاري رغم صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة بسبب استمرار الحرب، إلا أن التقديرات تشير إلى ما يلي خسائر القطاع الخاص في غزة تقدر بين 15 و20 مليار دولار حتى عام 2025 التجارة والخدمات تشكل نحو 40% من إجمالي الخسائر الاقتصادية المباشرة خسائر الأشهر الأولى من الحرب تراوحت بين 1.2 و1.8 مليار دولار كما تشير البيانات إلى تدمير جزء كبير من رأس المال التجاري سواء عبر فقدان المخزون أو توقف النشاط بالكامل. سادساً: أثر الانهيار على المجتمع الأسر فقدت آلاف الأسر قدرتها على تأمين الغذاء بشكل منتظم، وتحولت إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية، مع تراجع الاستهلاك إلى الحد الأدنى. التجار شهد القطاع إفلاساً واسعاً بين صغار التجار، مع خسارة كاملة للمخزون ورأس المال، وتوقف شبه شامل للنشاط التجاري. الاقتصاد العام توقفت الدورة الاقتصادية الداخلية، وانعدمت حركة الأموال الطبيعية، وتحول الاقتصاد من إنتاجي وتجاري إلى اقتصاد إغاثي يعتمد على المساعدات. سابعاً: 2025 – 2026… اقتصاد شبه متوقف مع استمرار الحرب، أصبح القطاع التجاري في حالة انكماش حاد أكثر من 80% من المنشآت التجارية متوقفة كلياً أو جزئياً تراجع كبير في الطبقة التجارية المتوسطة اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية غياب منظومة السوق المنظمة خاتمة: سوق بلا دورة حياة لم يعد القطاع التجاري في غزة مجرد قطاع متضرر، بل أصبح بنية اقتصادية شبه منهارة. فالعلاقة الطبيعية بين الإنتاج والاستيراد والتوزيع والاستهلاك لم تعد قائمة، لتحل محلها منظومة هشّة تحكمها الندرة والانقطاع. وفي ظل هذا الواقع، تحولت التجارة من نشاط اقتصادي إلى مساحة بقاء يومي، بينما بقي السوق شاهداً على واحدة من أعمق التحولات الاقتصادية التي فرضتها الحرب على غزة منذ عام 2023..
قطاع الطاقة في غزة.. كيف أُطفئت مدينة كاملة؟
عندما حلّ مساء السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن سكان قطاع غزة يدركون أن واحدة من أطول فترات الظلام في التاريخ الفلسطيني الحديث قد بدأت. فخلال أيام قليلة انهارت منظومة الطاقة التي كانت تعاني أصلاً من أزمات مزمنة منذ سنوات، لتدخل غزة مرحلة غير مسبوقة من الانقطاع شبه الكامل للكهرباء، وتحول الوقود إلى سلعة نادرة، وتصبح الطاقة عنواناً لأزمة إنسانية واقتصادية وصحية امتدت إلى كل بيت ومؤسسة ومستشفى. لم يكن تدمير قطاع الطاقة مجرد خسارة فنية أو اقتصادية، بل شكّل ضربة مباشرة لأسس الحياة المدنية في القطاع، حيث تعتمد جميع القطاعات الحيوية على الكهرباء: المياه، والصرف الصحي، والمستشفيات، والاتصالات، والتعليم، والإنتاج الصناعي والغذائي. أولاً: واقع الطاقة في غزة قبل الحرب قبل أكتوبر 2023، كان قطاع غزة يعاني أصلاً من عجز مزمن في الكهرباء. بلغت احتياجات القطاع اليومية ما بين 500 و600 ميغاواط، بينما لم يكن المتاح فعلياً يتجاوز في أفضل الأحوال 220 ميغاواط. وكانت مصادر الكهرباء الرئيسية: - محطة توليد غزة * أُنشئت عام 2002. * الطاقة التصميمية الأصلية: نحو 140 ميغاواط. * كانت تعتمد بالكامل على الوقود الصناعي المستورد. 📌 الخطوط الإسرائيلية * 10 خطوط تغذية رئيسية. * قدرة إجمالية تقارب 120 ميغاواط. ### 📌 الخطوط المصرية * قدرة تتراوح بين 15 و20 ميغاواط. * كانت تخدم أجزاء من جنوب القطاع. رغم ذلك، كان السكان يعيشون وفق نظام تقنين يومي يتراوح بين 8 و12 ساعة انقطاع كهربائي حتى قبل الحرب. ثانياً: الأيام الأولى للحرب.. بداية الانهيار بين 7 و11 أكتوبر 2023 تعرضت منظومة الطاقة لأول صدمة كبرى. أعلنت السلطات الإسرائيلية وقف إمدادات الكهرباء والوقود إلى غزة، وتوقفت خطوط التغذية تدريجياً. وفي 11 أكتوبر 2023 أعلنت سلطة الطاقة الفلسطينية توقف محطة التوليد الوحيدة بالكامل بعد نفاد الوقود. ومنذ تلك اللحظة: * انقطع التيار الكهربائي عن غالبية القطاع. * أصبحت المستشفيات تعتمد على مولدات الطوارئ. * توقفت آلاف المنشآت الاقتصادية. * دخلت غزة مرحلة "الاعتماد الكامل على الوقود الإنساني المحدود". ثالثاً: تدمير الشبكة الكهربائية لم تقتصر الأزمة على نقص الوقود، بل تعرضت الشبكة نفسها لدمار واسع. بحلول نهاية عام 2024 كانت فرق التقييم تشير إلى أن غالبية البنية التحتية الكهربائية تعرضت للتدمير أو الضرر الجسيم. أبرز الأضرار الموثقة شبكات النقل والتوزيع 🔴 تدمير أكثر من 3080 كيلومتراً من خطوط الكهرباء. 🔴 تضرر آلاف الأعمدة الكهربائية. 🔴 تدمير أجزاء واسعة من الكوابل الأرضية. 🔴 خروج عشرات محطات التحويل عن الخدمة. المحولات الكهربائية 🔴 تدمير أو تضرر نحو: * 1980 محولاً هوائياً. * 125 محولاً أرضياً. - المنشآت التشغيلية 🔴 أضرار جسيمة في: * مراكز التحكم. * مخازن شركة الكهرباء. * ورش الصيانة. * أسطول المركبات الفنية. رابعاً: الخسائر المالية المباشرة وفق الدراسات الفنية الصادرة عن خبراء شركة توزيع الكهرباء: | البند | قيمة الخسائر | | ---------------------- | ------------------ | | أضرار الشبكات والمنشآت | 259.85 مليون دولار | | خسائر الإيرادات | 212.3 مليون دولار | | الإجمالي المباشر | 472.15 مليون دولار | لكن هذه الأرقام لا تشمل: * الخسائر الاقتصادية الوطنية. * الأضرار غير المباشرة. * تكاليف إعادة الإعمار الكاملة. ولهذا تشير تقديرات أحدث إلى أن فاتورة قطاع الكهرباء وحده قد تتجاوز 700 مليون دولار عند اكتمال الحصر. خامساً: أزمة الوقود إذا كان تدمير الشبكة هو الوجه الأول للأزمة، فإن نقص الوقود كان الوجه الثاني. منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم: * تعرضت إمدادات الوقود لانقطاعات متكررة. * خضعت الكميات الداخلة لقيود كبيرة. * أصبحت الأولوية للمستشفيات ومحطات المياه. وتسببت الأزمة في: المستشفيات * تقليص العمليات الجراحية. * إغلاق بعض الأقسام. * تهديد أجهزة العناية المكثفة. - المياه * انخفاض إنتاج المياه المحلاة. * توقف آبار عديدة. * تراجع ضخ المياه للمنازل. الاتصالات * انقطاع متكرر لخدمات الهاتف والإنترنت. * توقف محطات إرسال عديدة. سادساً: الطاقة الشمسية.. الملاذ الأخير قبل الحرب كانت آلاف المنازل والمؤسسات تعتمد جزئياً على الطاقة الشمسية. لكن الحرب أدت إلى: 🔴 تدمير أعداد كبيرة من الألواح الشمسية. 🔴 سرقة أو فقدان البطاريات نتيجة النزوح والدمار. 🔴 تعطل الأنظمة بسبب غياب الصيانة. ورغم ذلك بقيت الطاقة الشمسية أحد أهم مصادر الكهرباء المحدودة المتاحة للسكان خلال سنوات الحرب. سابعاً: أثر انهيار الطاقة على القطاع الصحي يُعد القطاع الصحي المثال الأكثر وضوحاً على خطورة انهيار الكهرباء. فالمستشفى الحديث يعتمد على الكهرباء في: * غرف العمليات. * أجهزة التنفس الصناعي. * أجهزة الأشعة. * المختبرات. * حضانات الأطفال الخدج. * وحدات غسيل الكلى. وخلال الحرب تحولت المولدات إلى شريان حياة، بينما أصبح الوقود عاملاً حاسماً في استمرار عمل المستشفيات. ثامناً: أثر الأزمة على المياه والصرف الصحي قبل الحرب كانت محطات التحلية والصرف الصحي تستهلك جزءاً كبيراً من الكهرباء المنتجة في غزة. ومع انهيار الطاقة: * توقفت محطات عديدة. * تراجع إنتاج المياه النظيفة. * ازدادت مخاطر التلوث البيئي. * تدفقت كميات من مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر. وأصبح الحصول على المياه أحد أبرز التحديات اليومية للسكان. تاسعاً: الاقتصاد تحت العتمة لا يمكن فصل أزمة الطاقة عن الانهيار الاقتصادي الأوسع. فالكهرباء تمثل المحرك الأساسي لكل نشاط اقتصادي. ومع انهيارها: 📌 توقفت المصانع. 📌 تعطلت ورش الإنتاج. 📌 تراجعت الصناعات الغذائية. 📌 انهارت سلاسل التبريد. 📌 ارتفعت تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق. وأصبح تشغيل مولد خاص لساعات قليلة يومياً عبئاً يفوق قدرة معظم المنشآت. عاشراً: إعادة الإعمار والتحديات المستقبلية بحسب تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحتاج غزة إلى أكثر من 53 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي. وسيكون قطاع الطاقة من أكثر القطاعات كلفة وتعقيداً للأسباب التالية: * تدمير واسع للشبكات. * الحاجة إلى استبدال آلاف المحولات. * إعادة تأهيل محطة التوليد. * تحديث أنظمة النقل والتوزيع. * إدخال حلول الطاقة المتجددة على نطاق واسع. ويرى خبراء الطاقة أن إعادة بناء المنظومة الكهربائية قد تستغرق سنوات طويلة حتى في حال توفر التمويل الكامل. بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لم تعد أزمة الكهرباء في غزة مجرد أزمة خدمات، بل أصبحت إحدى أبرز سمات الحرب نفسها. فخلف كل رقم يتعلق بالطاقة قصة مستشفى كافح للبقاء، أو بئر مياه توقف عن العمل، أو مصنع أغلق أبوابه، أو أسرة أمضت ليالي طويلة في الظلام. لقد تحولت الكهرباء في غزة من خدمة عامة إلى عنصر بقاء، وأصبح انهيار قطاع الطاقة أحد أكثر المؤشرات وضوحاً على حجم الدمار الذي أصاب القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، في حرب أعادت تشكيل البنية التحتية والحياة اليومية والاقتصاد الفلسطيني على نحو غير مسبوق..