قطاع التجارة في غزة.. انهيار منظومة السوق تحت الحرب (2023 – 2026)
حين تُغلق الحرب أبواب السوق لم تكن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مجرد مواجهة عسكرية امتدت فوق جغرافيا قطاع غزة، بل شكلت لحظة فاصلة أعادت تشكيل الاقتصاد من جذوره، وعلى وجه الخصوص القطاع التجاري الذي يُعد العمود الفقري للحياة اليومية. في الأيام الأولى، بدأت مؤشرات الانهيار تظهر بشكل متسارع مع إغلاق المعابر وتوقف حركة الاستيراد وتراجع تدفق السلع الأساسية، إلى جانب اضطراب واسع في الأسواق المحلية. ومع مرور الوقت، لم يعد الحديث يدور عن ركود اقتصادي، بل عن تفكك تدريجي لمنظومة السوق بالكامل، حيث تلاشت القواعد التقليدية للتجارة وتحول الاقتصاد إلى حالة استثنائية تُدار بالندرة والضرورة. أولاً: الأيام الأولى… انهيار مفاجئ للسوق (أكتوبر – نوفمبر 2023) في الأسابيع الأولى للحرب تعرض القطاع التجاري في غزة لصدمة مركبة أصابت جميع مكوناته في وقت واحد. توقف شبه كامل لحركة الاستيراد مع إغلاق المعابر بشكل فعلي أو تقليص عملها إلى الحد الأدنى، توقفت حركة دخول السلع التجارية الأساسية بشكل شبه كامل. المواد الغذائية والوقود ومواد البناء والمستلزمات الطبية أصبحت تدخل بكميات محدودة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية. وتراجعت حركة الاستيراد التجاري بنسبة تقديرية تتراوح بين 85% إلى 95%. الأسواق تحت الصدمة مئات الأسواق الشعبية أغلقت أبوابها، وتوقفت آلاف المحال التجارية الصغيرة والمتوسطة عن العمل بسبب الدمار أو النزوح أو انقطاع الإمدادات. ومع ذلك ظهرت ملامح سوق جديد يعتمد على ما تبقى من مخزون أو ما يدخل بشكل متقطع. انهيار الطلب الداخلي فقدت آلاف الأسر مصادر دخلها خلال فترة قصيرة، وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات حادة قُدرت بانخفاض يتراوح بين 70% إلى 90%. ومع هذا الانهيار، تحول السوق إلى مساحة تركز فقط على السلع الأساسية للبقاء. ثانياً: 2024… اقتصاد الندرة وتفكك سلاسل الإمداد مع دخول الحرب عامها الثاني، انتقل الاقتصاد التجاري من حالة الصدمة إلى حالة الانهيار البنيوي المستمر. شلل الاستيراد المنظم توقف الاستيراد التجاري المنظم تقريباً، وأصبح السوق يعتمد على مساعدات إنسانية محدودة ومخزونات قديمة وكميات قليلة تدخل بشكل غير منتظم. هذا الوضع أدى إلى انهيار دور شركات الجملة والتوزيع التي كانت تشكل العمود الفقري للسوق. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من شركات التوزيع والجملة توقفت كلياً أو جزئياً عن العمل. ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق شهدت السلع الأساسية ارتفاعات حادة ومتكررة، وصلت في بعض الفترات إلى ما بين 300% و1200% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. كما اختفت بعض السلع بشكل كامل في فترات معينة، ما زاد من حالة الندرة. انهيار التخزين وسلاسل التوريد تعرضت المخازن للتدمير أو التعطيل، إضافة إلى فقدان القدرة على التخزين بسبب انقطاع الكهرباء والوقود. وتشير تقديرات ميدانية إلى خروج ما بين 50% إلى 65% من قدرات التخزين عن الخدمة. ثالثاً: تدمير البنية التجارية (2024 – 2025) مع استمرار العمليات العسكرية، لم يعد الانهيار اقتصادياً فقط بل تحول إلى تدمير مباشر للبنية التجارية. الأسواق المركزية تعرضت الأسواق الرئيسية في غزة وخان يونس ورفح لأضرار واسعة أو دمار كامل، ما أدى إلى فقدان مراكز التوزيع الأساسية. المحال التجارية في العديد من المناطق، تم تدمير أو إغلاق ما بين 70% إلى 80% من المحال التجارية. كما اختفت أحياء تجارية كاملة كانت تشكل مراكز نشاط اقتصادي رئيسية. النظام النقدي واجه السوق أزمة سيولة حادة مع توقف أو تعطل العمليات المصرفية بشكل كبير، ما أدى إلى الاعتماد شبه الكامل على النقد المحدود أو تبادل السلع في بعض الحالات. رابعاً: اقتصاد الحرب… السوق الموازي مع انهيار السوق الرسمي، ظهر اقتصاد بديل فرض نفسه على الواقع. صعود الوسطاء أصبح الوسطاء يتحكمون في حركة السلع وتوزيعها، ما أدى إلى تفاوت كبير في الأسعار بين منطقة وأخرى. الاحتكار والندرة تم تخزين بعض السلع الأساسية وإعادة بيعها بأسعار مرتفعة، في ظل غياب الرقابة الفعلية، ما حول بعض المواد إلى أدوات نفوذ أكثر من كونها سلعاً استهلاكية. تحول السوق لم يعد السوق خاضعاً لمنطق العرض والطلب فقط، بل لمنطق الوصول والسيطرة والقدرة على النقل والتخزين. خامساً: الخسائر الاقتصادية للقطاع التجاري رغم صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة بسبب استمرار الحرب، إلا أن التقديرات تشير إلى ما يلي خسائر القطاع الخاص في غزة تقدر بين 15 و20 مليار دولار حتى عام 2025 التجارة والخدمات تشكل نحو 40% من إجمالي الخسائر الاقتصادية المباشرة خسائر الأشهر الأولى من الحرب تراوحت بين 1.2 و1.8 مليار دولار كما تشير البيانات إلى تدمير جزء كبير من رأس المال التجاري سواء عبر فقدان المخزون أو توقف النشاط بالكامل. سادساً: أثر الانهيار على المجتمع الأسر فقدت آلاف الأسر قدرتها على تأمين الغذاء بشكل منتظم، وتحولت إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية، مع تراجع الاستهلاك إلى الحد الأدنى. التجار شهد القطاع إفلاساً واسعاً بين صغار التجار، مع خسارة كاملة للمخزون ورأس المال، وتوقف شبه شامل للنشاط التجاري. الاقتصاد العام توقفت الدورة الاقتصادية الداخلية، وانعدمت حركة الأموال الطبيعية، وتحول الاقتصاد من إنتاجي وتجاري إلى اقتصاد إغاثي يعتمد على المساعدات. سابعاً: 2025 – 2026… اقتصاد شبه متوقف مع استمرار الحرب، أصبح القطاع التجاري في حالة انكماش حاد أكثر من 80% من المنشآت التجارية متوقفة كلياً أو جزئياً تراجع كبير في الطبقة التجارية المتوسطة اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية غياب منظومة السوق المنظمة خاتمة: سوق بلا دورة حياة لم يعد القطاع التجاري في غزة مجرد قطاع متضرر، بل أصبح بنية اقتصادية شبه منهارة. فالعلاقة الطبيعية بين الإنتاج والاستيراد والتوزيع والاستهلاك لم تعد قائمة، لتحل محلها منظومة هشّة تحكمها الندرة والانقطاع. وفي ظل هذا الواقع، تحولت التجارة من نشاط اقتصادي إلى مساحة بقاء يومي، بينما بقي السوق شاهداً على واحدة من أعمق التحولات الاقتصادية التي فرضتها الحرب على غزة منذ عام 2023..