2026-06-15

قطاع الزراعة في غزة.. من سلة غذاء محاصرة إلى أرض مجرفة: قصة انهيار القطاع الزراعي منذ 7 أكتوبر 2023

غزة الذاكرة الحية- حين اندلعت الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن الأراضي الزراعية في القطاع مجرد مساحات خضراء تنتج الغذاء، بل كانت تمثل أحد آخر خطوط الصمود الاقتصادي والاجتماعي في منطقة تعيش حصاراً مستمراً منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وعلى امتداد سنوات طويلة، شكّلت الزراعة مصدراً رئيسياً للغذاء والدخل لعشرات آلاف العائلات الفلسطينية، وساهمت بما يقارب 10% من اقتصاد غزة، فيما اعتمد أكثر من 560 ألف شخص بشكل كلي أو جزئي على الزراعة والرعي والصيد لكسب رزقهم. إلا أن ما جرى خلال الحرب حوّل هذا القطاع من مصدر للحياة إلى أحد أكثر القطاعات تضرراً ودماراً في تاريخ غزة الحديث. قبل الحرب، بلغت المساحات الزراعية في قطاع غزة نحو 15 ألف هكتار، أي ما يزيد على 150 مليون متر مربع من الأراضي المزروعة بالمحاصيل الحقلية والخضروات والأشجار المثمرة والبيوت البلاستيكية. وكانت محافظات شمال غزة ورفح وخان يونس تشكل القلب الزراعي للقطاع، حيث تنتشر بساتين الزيتون والحمضيات واللوزيات وحقول الخضروات والفراولة، إضافة إلى آلاف الدونمات المزروعة بالقمح والشعير والمحاصيل الموسمية. لكن هذه المناطق نفسها تحولت خلال الحرب إلى ساحات عمليات عسكرية واسعة، تعرضت خلالها الأراضي للتجريف والقصف والحرق والتدمير المباشر. في الأشهر الأولى للحرب بدأت صور الأقمار الصناعية تكشف حجم الكارثة. ففي فبراير/شباط 2024 كانت نحو 42.6% من الأراضي الزراعية قد تعرضت لأضرار مباشرة. وبعد ثلاثة أشهر فقط ارتفعت النسبة إلى 57.3%. وبحلول سبتمبر/أيلول 2024 وصلت الأراضي الزراعية المتضررة إلى 67.6% من إجمالي الأراضي المزروعة في القطاع، أي أكثر من 10 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية التي تعرضت للتجريف أو التدمير أو الضرر الشديد. كما أظهرت التحليلات الفضائية أن 71.2% من الأشجار والبساتين تعرضت للتلف، و67.1% من المحاصيل الحقلية تضررت، إضافة إلى تدمير 58.5% من مساحات الخضروات. ومع استمرار الحرب خلال عام 2025، تفاقمت الخسائر بشكل غير مسبوق. ووفقاً لأحدث تقييم مشترك أجرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، فإن أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت لأضرار مباشرة بحلول أبريل/نيسان 2025، بما يعادل 12,537 هكتاراً من أصل 15,053 هكتاراً من الأراضي الزراعية. كما أصبح 77.8% من الأراضي الزراعية غير قابل للوصول بسبب العمليات العسكرية أو المناطق العازلة أو مخاطر القصف، ولم يبق متاحاً للزراعة سوى 688 هكتاراً فقط، أي 4.6% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. لكن الكارثة لم تتوقف عند هذا الحد. ففي يوليو/تموز 2025، أظهرت تقييمات أممية جديدة أن نسبة الأراضي الزراعية المتضررة ارتفعت إلى أكثر من 86%، فيما أصبحت 98.5% من الأراضي الزراعية إما متضررة أو غير قابلة للوصول أو الاثنتين معاً. وبمعنى آخر، لم يتبقَّ صالحاً للزراعة سوى 232 هكتاراً فقط من أصل أكثر من 15 ألف هكتار كانت تُزرع قبل الحرب، أي ما يعادل 1.5% فقط من الأراضي الزراعية في قطاع غزة. إحدى أكثر صور الدمار وضوحاً تمثلت في عمليات التجريف الواسعة. فالمشاهد الفضائية التي وثقتها المؤسسات الدولية أظهرت إزالة آلاف الدونمات من الأشجار والبساتين وتسوية مساحات زراعية كاملة بالأرض، خاصة في شمال القطاع وشرق غزة وشرق خان يونس ورفح. وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن ما يزيد على 178 ألف دونم من الأراضي الزراعية تعرضت لأضرار أو تجريف أو تدمير بدرجات متفاوتة، وهو ما يمثل أكثر من 80% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. كما تراجعت المساحات المزروعة بالخضروات من نحو 93 ألف دونم قبل الحرب إلى نحو 4 آلاف دونم فقط في بعض مراحل الحرب، ما يعكس انهياراً شبه كامل للإنتاج الزراعي المحلي. ولم تكن الأراضي وحدها الضحية. فقد تعرضت البنية التحتية الزراعية لدمار هائل. وتشير بيانات الفاو إلى أن 71.2% من البيوت البلاستيكية الزراعية تعرضت للتدمير أو الضرر الشديد بحلول ربيع 2025، لترتفع النسبة لاحقاً إلى نحو 80% خلال خريف العام نفسه. وفي بعض المناطق، خاصة محافظة غزة وشمال غزة، اختفت البيوت البلاستيكية تقريباً من المشهد الزراعي بالكامل. أما آبار المياه الزراعية، التي تشكل شريان الحياة للقطاع الزراعي في غزة، فقد تعرضت هي الأخرى لدمار واسع. وبحلول أبريل 2025 كانت 82.8% من الآبار الزراعية قد تضررت أو دمرت بشكل كامل، مقارنة بنحو 67.7% في نهاية عام 2024. هذا التدمير حرم آلاف المزارعين من القدرة على ري أراضيهم حتى في المناطق التي لم تتعرض للتجريف المباشر. كما أصابت الخسائر قطاع الثروة الحيوانية بصورة كارثية. فقد أدى القصف ونقص الأعلاف والمياه والأدوية البيطرية إلى نفوق أعداد هائلة من الحيوانات. وتحدثت تقارير دولية عن انهيار شبه كامل لقطاع الدواجن، بينما تعرضت مزارع الأبقار والأغنام والماعز لخسائر جسيمة. وتقدر جهات فلسطينية أن مئات مزارع الأبقار والأغنام والدواجن خرجت من الخدمة أو دمرت خلال الحرب. ومع حلول عام 2026، لم تعد الأزمة زراعية فقط، بل تحولت إلى أزمة أمن غذائي شاملة. فالأراضي التي كانت تنتج الخضروات والفواكه والحبوب أصبحت في معظمها أراضي مدمرة أو غير قابلة للوصول. والبنية الزراعية التي تراكم بناؤها خلال عقود تعرضت لتدمير واسع. وتشير تقارير حديثة إلى أن أقل من 5% من الأراضي الزراعية كانت متاحة للزراعة في بعض فترات عام 2025، بينما أظهرت تقييمات لاحقة أن الأراضي السليمة والمتاحة فعلياً للإنتاج لم تتجاوز 1.5% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع. إن خسائر الزراعة في غزة لا تُقاس فقط بعدد الدونمات المجرفة أو الأشجار المقتلعة أو البيوت البلاستيكية المدمرة، بل بحجم القدرة الغذائية التي فقدها المجتمع الفلسطيني. فكل دونم دُمّر كان ينتج غذاءً، وكل بئر تعطلت كانت تروي حقولاً، وكل شجرة اقتُلعت كانت تمثل استثماراً تراكم عبر سنوات طويلة. واليوم، وبعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، يقف القطاع الزراعي في غزة أمام واحدة من أكبر الكوارث الزراعية التي شهدها الشرق الأوسط في العصر الحديث، فيما تحتاج عملية إعادة تأهيل الأراضي والآبار والبنية الزراعية إلى سنوات طويلة ومليارات الدولارات حتى تستعيد جزءاً من قدرتها السابقة على الإنتاج..