الطاقة

تغطية صحفية وتقارير مفصلة عن تطورات الأحداث

2026-06-12

قطاع الطاقة في غزة.. كيف أُطفئت مدينة كاملة؟

عندما حلّ مساء السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن سكان قطاع غزة يدركون أن واحدة من أطول فترات الظلام في التاريخ الفلسطيني الحديث قد بدأت. فخلال أيام قليلة انهارت منظومة الطاقة التي كانت تعاني أصلاً من أزمات مزمنة منذ سنوات، لتدخل غزة مرحلة غير مسبوقة من الانقطاع شبه الكامل للكهرباء، وتحول الوقود إلى سلعة نادرة، وتصبح الطاقة عنواناً لأزمة إنسانية واقتصادية وصحية امتدت إلى كل بيت ومؤسسة ومستشفى. لم يكن تدمير قطاع الطاقة مجرد خسارة فنية أو اقتصادية، بل شكّل ضربة مباشرة لأسس الحياة المدنية في القطاع، حيث تعتمد جميع القطاعات الحيوية على الكهرباء: المياه، والصرف الصحي، والمستشفيات، والاتصالات، والتعليم، والإنتاج الصناعي والغذائي. أولاً: واقع الطاقة في غزة قبل الحرب قبل أكتوبر 2023، كان قطاع غزة يعاني أصلاً من عجز مزمن في الكهرباء. بلغت احتياجات القطاع اليومية ما بين 500 و600 ميغاواط، بينما لم يكن المتاح فعلياً يتجاوز في أفضل الأحوال 220 ميغاواط. وكانت مصادر الكهرباء الرئيسية: - محطة توليد غزة * أُنشئت عام 2002. * الطاقة التصميمية الأصلية: نحو 140 ميغاواط. * كانت تعتمد بالكامل على الوقود الصناعي المستورد. 📌 الخطوط الإسرائيلية * 10 خطوط تغذية رئيسية. * قدرة إجمالية تقارب 120 ميغاواط. ### 📌 الخطوط المصرية * قدرة تتراوح بين 15 و20 ميغاواط. * كانت تخدم أجزاء من جنوب القطاع. رغم ذلك، كان السكان يعيشون وفق نظام تقنين يومي يتراوح بين 8 و12 ساعة انقطاع كهربائي حتى قبل الحرب. ثانياً: الأيام الأولى للحرب.. بداية الانهيار بين 7 و11 أكتوبر 2023 تعرضت منظومة الطاقة لأول صدمة كبرى. أعلنت السلطات الإسرائيلية وقف إمدادات الكهرباء والوقود إلى غزة، وتوقفت خطوط التغذية تدريجياً. وفي 11 أكتوبر 2023 أعلنت سلطة الطاقة الفلسطينية توقف محطة التوليد الوحيدة بالكامل بعد نفاد الوقود. ومنذ تلك اللحظة: * انقطع التيار الكهربائي عن غالبية القطاع. * أصبحت المستشفيات تعتمد على مولدات الطوارئ. * توقفت آلاف المنشآت الاقتصادية. * دخلت غزة مرحلة "الاعتماد الكامل على الوقود الإنساني المحدود". ثالثاً: تدمير الشبكة الكهربائية لم تقتصر الأزمة على نقص الوقود، بل تعرضت الشبكة نفسها لدمار واسع. بحلول نهاية عام 2024 كانت فرق التقييم تشير إلى أن غالبية البنية التحتية الكهربائية تعرضت للتدمير أو الضرر الجسيم. أبرز الأضرار الموثقة شبكات النقل والتوزيع 🔴 تدمير أكثر من 3080 كيلومتراً من خطوط الكهرباء. 🔴 تضرر آلاف الأعمدة الكهربائية. 🔴 تدمير أجزاء واسعة من الكوابل الأرضية. 🔴 خروج عشرات محطات التحويل عن الخدمة. المحولات الكهربائية 🔴 تدمير أو تضرر نحو: * 1980 محولاً هوائياً. * 125 محولاً أرضياً. - المنشآت التشغيلية 🔴 أضرار جسيمة في: * مراكز التحكم. * مخازن شركة الكهرباء. * ورش الصيانة. * أسطول المركبات الفنية. رابعاً: الخسائر المالية المباشرة وفق الدراسات الفنية الصادرة عن خبراء شركة توزيع الكهرباء: | البند | قيمة الخسائر | | ---------------------- | ------------------ | | أضرار الشبكات والمنشآت | 259.85 مليون دولار | | خسائر الإيرادات | 212.3 مليون دولار | | الإجمالي المباشر | 472.15 مليون دولار | لكن هذه الأرقام لا تشمل: * الخسائر الاقتصادية الوطنية. * الأضرار غير المباشرة. * تكاليف إعادة الإعمار الكاملة. ولهذا تشير تقديرات أحدث إلى أن فاتورة قطاع الكهرباء وحده قد تتجاوز 700 مليون دولار عند اكتمال الحصر. خامساً: أزمة الوقود إذا كان تدمير الشبكة هو الوجه الأول للأزمة، فإن نقص الوقود كان الوجه الثاني. منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم: * تعرضت إمدادات الوقود لانقطاعات متكررة. * خضعت الكميات الداخلة لقيود كبيرة. * أصبحت الأولوية للمستشفيات ومحطات المياه. وتسببت الأزمة في: المستشفيات * تقليص العمليات الجراحية. * إغلاق بعض الأقسام. * تهديد أجهزة العناية المكثفة. - المياه * انخفاض إنتاج المياه المحلاة. * توقف آبار عديدة. * تراجع ضخ المياه للمنازل. الاتصالات * انقطاع متكرر لخدمات الهاتف والإنترنت. * توقف محطات إرسال عديدة. سادساً: الطاقة الشمسية.. الملاذ الأخير قبل الحرب كانت آلاف المنازل والمؤسسات تعتمد جزئياً على الطاقة الشمسية. لكن الحرب أدت إلى: 🔴 تدمير أعداد كبيرة من الألواح الشمسية. 🔴 سرقة أو فقدان البطاريات نتيجة النزوح والدمار. 🔴 تعطل الأنظمة بسبب غياب الصيانة. ورغم ذلك بقيت الطاقة الشمسية أحد أهم مصادر الكهرباء المحدودة المتاحة للسكان خلال سنوات الحرب. سابعاً: أثر انهيار الطاقة على القطاع الصحي يُعد القطاع الصحي المثال الأكثر وضوحاً على خطورة انهيار الكهرباء. فالمستشفى الحديث يعتمد على الكهرباء في: * غرف العمليات. * أجهزة التنفس الصناعي. * أجهزة الأشعة. * المختبرات. * حضانات الأطفال الخدج. * وحدات غسيل الكلى. وخلال الحرب تحولت المولدات إلى شريان حياة، بينما أصبح الوقود عاملاً حاسماً في استمرار عمل المستشفيات. ثامناً: أثر الأزمة على المياه والصرف الصحي قبل الحرب كانت محطات التحلية والصرف الصحي تستهلك جزءاً كبيراً من الكهرباء المنتجة في غزة. ومع انهيار الطاقة: * توقفت محطات عديدة. * تراجع إنتاج المياه النظيفة. * ازدادت مخاطر التلوث البيئي. * تدفقت كميات من مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر. وأصبح الحصول على المياه أحد أبرز التحديات اليومية للسكان. تاسعاً: الاقتصاد تحت العتمة لا يمكن فصل أزمة الطاقة عن الانهيار الاقتصادي الأوسع. فالكهرباء تمثل المحرك الأساسي لكل نشاط اقتصادي. ومع انهيارها: 📌 توقفت المصانع. 📌 تعطلت ورش الإنتاج. 📌 تراجعت الصناعات الغذائية. 📌 انهارت سلاسل التبريد. 📌 ارتفعت تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق. وأصبح تشغيل مولد خاص لساعات قليلة يومياً عبئاً يفوق قدرة معظم المنشآت. عاشراً: إعادة الإعمار والتحديات المستقبلية بحسب تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحتاج غزة إلى أكثر من 53 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي. وسيكون قطاع الطاقة من أكثر القطاعات كلفة وتعقيداً للأسباب التالية: * تدمير واسع للشبكات. * الحاجة إلى استبدال آلاف المحولات. * إعادة تأهيل محطة التوليد. * تحديث أنظمة النقل والتوزيع. * إدخال حلول الطاقة المتجددة على نطاق واسع. ويرى خبراء الطاقة أن إعادة بناء المنظومة الكهربائية قد تستغرق سنوات طويلة حتى في حال توفر التمويل الكامل. بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لم تعد أزمة الكهرباء في غزة مجرد أزمة خدمات، بل أصبحت إحدى أبرز سمات الحرب نفسها. فخلف كل رقم يتعلق بالطاقة قصة مستشفى كافح للبقاء، أو بئر مياه توقف عن العمل، أو مصنع أغلق أبوابه، أو أسرة أمضت ليالي طويلة في الظلام. لقد تحولت الكهرباء في غزة من خدمة عامة إلى عنصر بقاء، وأصبح انهيار قطاع الطاقة أحد أكثر المؤشرات وضوحاً على حجم الدمار الذي أصاب القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، في حرب أعادت تشكيل البنية التحتية والحياة اليومية والاقتصاد الفلسطيني على نحو غير مسبوق..